عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
12
اللباب في علوم الكتاب
فصل في الاستدلال بالآية على أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى احتج الأصحاب بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى ؛ لأن هذه الآية دالة على أن عدالة هذه الأمة وخيرتيهم بجعل اللّه وخلقه ، وهذا صريح في المذهب . وقالت المعتزلة : المراد من هذا الجعل فعل الألطاف . أجيب عنه بوجوه : الأول : أن هذا ترك للظاهر ، وذلك محال لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان حمل الآية على ظاهرها ، أقصى ما للمعتزلة في هذا الباب التمسّك بفصل المدح والذم والثواب والعقاب ، وقد بيّنا أن هذه الطريقة منتقضة على أصولهم بمسألة العلم ومسألة الداعي . والثاني : أنه تعالى - قال قبل هذه الآية يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ البقرة : 142 ] . وقد بيّنا دلالة هذه الآية على قولنا في أنه - تعالى - يخص البعض بالهداية دون البعض ، فهذه الآية يجب أن تكون محمولة على ذلك لتكون كل واحدة منهما مؤكدة لمضمون الأخرى . والثالث : أن كلّ ما في مقدور اللّه - تعالى - من الألطاف في حقّ الكل فقد فعله ، وإذا كان كذلك لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذا المعنى فائدة . والرابع : أن اللّه - تعالى - ذكر ذلك في معرض الامتنان . فصل في الاستدلال بالآية على أن الإجماع حجّة « 1 » احتج الجمهور بهذه الآية على أن الإجماع حجة فقالوا : أخبر اللّه - تعالى - عن
--> ( 1 ) إن إثبات حجيّة الإجماع يرتكز على دعائم ثلاث : إمكانه في نفسه ؛ وإمكان العلم به ، وإمكان نقله إلى من يحتجّ به ، ولقد أراد منكرو حجيته أن يأتوا البنيان من قواعده فأنكروها ، وقالوا على وجه الإجمال : يمتنع ثبوت الإجماع ، ولو ثبت ، يمتنع العلم به ، ولو علم يمتنع نقله إلى المجتهد ، فقد أسندوا كلامهم إلى ثلاث جهات ، فلا بد لهذا من مقامات : الأوّل : في بيان إمكان الإجماع . ذهب جمهور العلماء إلى أنّه ممكن ، وادّعى بعض النّظّاميّة والرّوافض استحالته ، وتحرير محل النزاع : أنه لا خلاف لأحد في إمكان الإجماع عقلا ؛ لأن العقل لا يمنع من تصوّر اتّفاق المجتهدين في عصر على حكم من الأحكام ؛ ولأن أدلتهم الآتية إنّما تنتج استحالته في حكم العادة ، لا في جوازه في ضروريّات الأحكام ، وإنما النزاع في إمكانه عادة في الأحكام التي لا تكون معلومة بالضّرورة ، ونسب « ابن الحاجب » هذا القول إلى « النّظام » ووافقه الكمال ، وذكر « السّبكيّ » أنّ هذا قول بعض أصحابه ، وأمّا رأي « النّظّام » نفسه مع بعض أصحابه : فهو أنّه يتصوّر ، ولكن لا حجية فيه ، كذا نقله القاضي ، وأبو إسحاق الشيرازيّ ، وابن السمعانيّ وهي طريقة الإمام الرازي وأتباعه في النقل عنه . شبه المخالفين في إمكان الإجماع . -